بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجّل فرجهم يا كريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


كثر بين المؤمنين حالات الوسوسة ، وهذه الظاهرة تؤكّد على أنّ الشيطان يعمل على منع المؤمن من أداء فرائضه على أكمل وجه أو سلب الراحة عند أداء الواجبات وسائر العبادات بإستراتيجية الوهم الإلحاحي ، إذ يوهمه ببطلان عمله ويأمره بالإعادة والقضاء وإبطال الصلاة ، إلى أن يقع في الحرج الشديد ، ويجعله يعتقد أن عدم أداء العبادات يعني الراحة من هذه الوساوس فتصعب عليه العبادة فإما يتركها طلباً لراحة البال ، أو يستمر لديه هذا التوتر - مع أدائها - دون سكون ، ناهيك على أن مخطط الشيطان الرجيم هنا هو أن يجعلك تبرمج العقل بأن ((الوسوسة جزء من نشاطك الفكري الطبيعي اليومي ، فعليك أن تعتاد عليه دون طلب العلاج )) والقبول بهذه الفكرة يحمل جانب خطير على المؤمن على المدى البعيد ، كما أن تأصيل الفعل الوسواسي في النفس يجعل منه عادة نمطية لدى المصاب بهذه الآفة ، إذ لا يحتاج للشيطان أن يثير هذه الوسوسة من جديد ، وهذا ما يريد أن يصل إليه الخبيث في جعل النفس تعاني ويلات الأفكار السلبية المُلحّة مع القبول بهذا الحال ، فتصبح عادة مع الزمن ! إن تقاعس صاحبها عن علاجها .

روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة؛ فتطمعوه!.. فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرّن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك).. قال زرارة: ثم قال: (إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم). سيكون المؤمن بين أمرين إما أن يسمع نداء إمامه " فليمض أحدكم في الوهم " ويتجاهل إملاءات الخيال ، أو يتبع النداء الشيطاني " فليمض أحدكم في تكرار الفعل " !! ولتقديم أمر الإمام فإنك ستخوض معركة التغيير متسلحاً بقاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " ، وهنا... هل عليّ أن أواجه الوسوسة بالقوة التي أملكها ؟ الجواب هنا دقيق وهو أن لا تسخّر قوتك في ((صد)) الوسوسة بل وجّه قوتك في إجادة ((التجاهل الثابت)) الحكيم كأسلوب علاجي ، إذن عليك تجاهل الوسوسة والثبات على هذا التجاهل " فليمض أحدكم في الوهم " حتى تجد النتيجة الإيجابية . القاعدة أن " الوسوسة تنمو بالإستجابة لها وتفنى بالتجاهل " هذه ستكون سياسة التعامل مع هذا العارض ، أي اتباع مبدأ "لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم " .ولتطبيق هذه الإستراتيجية يوجد بعض المباديء والقواعد الواجب مسايرتها ، وكذلك تطبيق بعض الشروط ، حتى نحقق معاً النتائج المرجوة لتخلق بين جنبيك نفس صلدة لا تثيرها قلاقل الشيطان اللعين .



*** مبادئ تطبيق قاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " لعلاج الوسواس :
========================================


- رصد الثغرات وزمانها :
===============

من المهم التعرف على ماهية المسببات الباعثة على الوسوسة ( الإستجابات السلوكية للوسواس ، الشيطان الخناس ، إنعدام الخبرة في التعامل مع الواردات الشيطانية ، الإستعداد النفسي لتقبل الأوامر ، والشخصية التبعية ) ، ومع هذه المسببات يجب أيضاً كإجراء أولي أن نرصد موارد الوسوسة إن تعددت وتدوينها في ورقة ، فقد تصبح أكثر من مورد لدى الشخص الواحد ( وسواس الطهارة ، وسواس القراءة أثناء الصلاة ، وسواس عقائدي..ألخ ) ، وكذلك برصد أوقات استفحال الفكرة التسلطية ( أثناء الوضوء أو قبله ، قبل الصلاة ، أثناء الصلاة، أثناء القراءات...ألخ) ، وقوة تأثير الفكرة التسلطية على حياتك ، وما يسبب هذا الأمر من قلق مزمن . وبهذا الصدد يروى عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : "وعلى العاقل أن يُحصي على نفسه مساويها في الدين والرأي والأخلاق والأدب، فيجمع ذلك في صدره أو في كتاب ويعمل في إزالتها " (بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج78 ، ص6 ) . هذا الفهم سيساعدك على رفع مستوى العزيمة لديك في تبني فكرة العلاج بصدر رحب ، والعمل على تطبيقها بدقة ، والإلتزام بها للفكاك من هذا الكابوس اليومي . إذن عليكَ الآن بتدوين ما هو مطلوب إستعداداً للعلاج . أي تدوين ما يسبب لكم التوتر اليومي ( الشيطاني/ النفسي) عند أداء عبادتك .


- القناعة بأن طريقة تفكيرك جزء من العلاج :
========================

وهو اعتبار أنك جزء حيوي في المساعدة في التخلص من الوسواس ، والقصد أن الأعتماد على العلاج النفسي والروحي نافعين ، ولكن في المقابل لابد من حركة نفسية داخلية ثورية سترفع هذه الوسوسة عبر برمجة التجاهل " فليمض أحدكم في الوهم " ، فالإجراء هنا يتم من خلال آلية تفكير جديدة في التعامل مع قهرية الأفكار المتسلطة ، إذن نحن بحاجة لنشاط فكري ، ويقظة ذهنية في تجاهل أي جزئية متعلقة بفكرة وسواسية مدسوسة والصبر على تطبيقها ، حتى وإن كانت بسيطة ، إذن سنباشر علاجها بتطبيق آلية " فليمض أحدكم في الوهم " دون تراجع ، فأول فكرة تسلطية هي رسول لجيش من الأفكار الوسواسية القادمة والمتوقعة . وعليه فإن حرب التجاهل يجب أن يطول كل فكرة شاذة مهما كان حجمها أو بساطة تأثيرها ، حتى الخلاص من جذورها .

- الإيجابية المصاحبة لتطبيق العلاج :
====================

وذلك عبر تبني الأفكار الإيجابية التي تساعدك في المضي في تطبيق علاج فكري ستجد آثاره السارة حتماً ، هذه الإيجابية ستمنحك مزيداً من النشاط في التغلب على هاجس الوسوسة ، وستجيب على أسئلتك العارضة ، هل بالفعل ساتخلص نهائياً من الوسواس ؟ الجواب نعم وستكون مثل بقية المؤمنين الأسوياء . وستمارس عبادتك بأريحية بين المؤمنين ومع المؤمنين ، وفي أماكن العبادة دون تكلف وقلق ، وسيكون الله تعالى خير معين لك في رحلة العلاج ، والمعصومين ( سلام الله عليهم ) خير عون لك وسند في أن تولد من جديد بطمأنينة قلبية منقطعة النظير .

- نبذ القناعات المنحرفة الداعمة للوسوسة :
========================

هل عدم الوسوسة يدل على عدم الإلتزام ؟ الجواب بالطبع (لا..! ) ، بل الوسوسة مدمرة لشخصية من يظن أن هذا هو الإلتزام ! ومن يعتقد بأن الحرص على تطبيق الأحكام الشرعية بهذه الكيفية يعني إحراز رضا الله تعالى ، أو أن الخوف من العقاب الإلهي يجب ان يقابله سلوك عبادي مفرط تحقيقاً للطاعة المطلوبة . أو أن ضبط العبادة يكون بهذه الصورة الهندسية المبالغ بها أو بهذا الفعل المتكرر والذي يظن بأنه صورة من صور الإحتياط في العمل ! هذه القناعات لدى البعض هي نار الوسوسة والتي تدفع الحركة الشيطانية بأن تساهم أيضاً في تأجيج نارها ، وعليه سيكون مآلها التغيير بأفكار عقلائية منطقية دعماً لتحقيق استراتيجية العمل بقاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " .


*** العـــلاج :-
========

يمتد العلاج لسبعة أيام متصلة ، وقد يظهر الأثر الإيجابي مبكراً حسب قوة الوسواس ، وصبر المتعالج وإلتزامه بالتعليمات ، ومقدار فهمه لتطبيق إستراتيجية " فليمض أحدكم في الوهم "..

بنود العلاج :-
1- تطبيق قاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " مع الإلتزام بالتعليمات الواردة .
2- قراءة دعاء قاموس سبع مرات بنية دفع المسببات الروحية الضارة ( مشابه لقراءات تنقية المنزل مع اختلاف العدد ) .
3- قراءة سورة التوحيد (سبع مرات ) على مقدار من الماء للشرب مرتين في اليوم ، في الفترة النهارية مرة ، وفي الفترة المسائية مرة أخرى .



***قواعد تطبيق العلاج :
==============

قاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " تعتمد على الإستمرارية وقوة العزيمة في التخلص من تأثير الوساوس وتطبيقها بذكاء ، كون التوقف عن تطبيق هذه الألية سيعيدكم لسيرتكم الأولى ، وهي الطاعة لأوامر الشيطان الرجيم الذي أعتاد العمل مع من يطيعه "فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد "، إذن ستتخذ من التجاهل أسلوباً حياتياً في التعامل مع ما يستجد من وساوس قد تولد مستقبلاً . يكون هو سلاحك الحاضر بعد الإتكال على الله تعالى .

القاعدة الأولى / الخلاص "بالتجاهل الثابت" : أي تطبيق " " فليمض أحدكم في الوهم " وهو أمر الإمام المعصوم ( عليه السلام ) في الأخذ بإجراء فكري بسيط يتمثل في التجاهل الكامل والثبات دون تراجع على ما تعتريك من أفكار تدفعك لإعادة عمل ما أو الإطالة به ، مع المضي بأصل العمل دون الإلتفات لهذه الوساوس ، وهنا تحتاج أن تكون صاحب عزيمة قوية في حمل راية التجاهل وعدم التراجع أبداً ، فلا مكان للخناس في إدارة حياتك ! أو التصرف بسلوكياتك ، أو إظهارك بمظهر الجنون ، أو العبث بمظاهر تعبدّك لله عز وجل . أعلم أن الوسواس الخناس يفضل العمل مع من يؤتمر بأوامره وينصاع لها بيسر وسهولة دون تفكير وتعقل ، فإعمال العقل مع التجاهل الثابت سيحجّم حركة هذا الشيطان من حولك ، حتى التحرر من سطوة أوامره القهرية . هذه الخطوة مهمة وهي أساس الخلاص .

- القاعدة الثانية / التحكم بالتكرار والزمن : وهي آلية تُطبق مع الوساوس العبادية المتعلقة بالطهارة والصلاة وكذلك بالقراءات ، وتعني الإمتناع تماماً عن التكرار، أي تجعل فعل التكرار لا مكان له في حياتك العبادية مع الأفكار الوسواسية ، فهي جزء لا يتجزأ من تطبيق آلية " " فليمض أحدكم في الوهم " ، ستكون دائم اليقين بأنك تلفظت البسملة بشكلها الصحيح فلا إعادة ، والآية بمخارجها اللفظية السليمة ، أن مسحك لرأسك في الوضوء قد تم على أحسن وجه ، فلا تنظر لهذا الأمر أو تتحقق منه ، إذ أن مجرد إنشغال الذهن بصحة الوضوء أو القراءة هو ضعف في تطبيق الآلية ، أنت اليوم شخص متجاهل لهذه الأفكار الإلحاحية المؤرقة ، هنا أنت لا تسمع.. لا تستجيب لعبارات ( كرر هذا الفعل ، أعد القراءة ، أعد الوضوء ، لم تضبط اللفظ !! ) ، فعليك الإنتباه !

أما فيما يتعلق بالزمن فهو تقليص المدة التي تؤدي فيها عبادة ما ، ومتوسط الزمن الطبيعي نجده هو الشائع بين المؤمنين والمتعارف عليه ممن نراهم حولنا في المنزل أو في المساجد ، فالأختلاف عنهم زمنياً في إطالة أداء عمل عبادي يجب أن يكون محل نظر ومراجعة مع وجود سبب عقلائي ، فالشخص السليم ممن يتوضأ عادة بدقيتقين دون إعادة هو مقياسك السليم ، فأنت ستفقد التحكم بالزمن ويصبح هو من يتحكم بك ! فعندما تطيل الوضوء لعشر دقائق ثم تعيده لعشر دقائق أخرى يعني خضوعك للأوامر الشيطانية بطاعة عمياء تفقدك شيء من الزمن الذي ستعيشه في هذه الدنيا منشغلاً بالوساوس ، وهنا يجب التحكم بعدد مرات الوضوء والزمن المستغرق في أداءه ، وهذا أيضاً يتم عبر الإمضاء في الوهم ، وضبط الأعداد والتوقف بالتجاهل عن أداء غيرها .

- القاعدة الثالثة / وساوس العقيدة والفكر : هذا النوع من الوساوس بحاجة إلى علاج معرفي بالدرجة الأولى ، إن وجدنا - واقعاً - جواب صحيح يدحض هذه الإشكالية التي طرحها الشيطان الرجيم ، أما إن كانت فكرة لاعقلية هدفها التشكيك ، هنا يجب اتباع ما سبق ذكره من "تجاهل ثابت" ، بالإضافة إلى سلاح علمي لصد سيل المشتبهات الأخرى من أسئلة عقائدية مختلفة من خلال الإطلاع والإلمام بالمسائل التي تكون محل الشك والظن ، فيمكن قراءة كتب عقائد الإماميّة ، أصول الدين ، أصل الشيعة وأصولها. وغيرها من الكتب النافعة في هذا المجال . الأمر الآخر أن لا تجعل هذه الفكرة العقدية تدور في مخيلتك دون جواب ، كون غياب الجواب أو تأخيره سيجعل للوجود الشيطاني قوة وسيطرة وتوسع بأفكار تشكيكية جديدة ، لذلك بادر في البحث والتقصي السريع لقطع فتيل الحيرة ، والتواصل مع أهل الخبرة العَقَدية لإيجاد الإجابة العقلية والنقلية لسد هذا الباب تماماً .

- القاعدة الرابعة / الإصرار وعدم التوقف : التراجع في تطبيق الإستراتيجية يعني التجاهل الركيك ، ويعني عدم الرغبة في الخلاص ، ألم خلع الضرس التالف أهون من تحمل ألمه لأيام عدة ! لذلك تحتاج منك هذه القاعدة الإصرار وأن الأمور تحت سيطرتك وقدرتك .


*** يقظة الخناس وتجرؤ النفس :-
====================

هو التغير في حركة الشيطان والإلحاح النفسي أثناء وبعد تطبيق الإستراتيجية العلاجية ، ويكون بصورة تداخلات متغيرة وعنيفة عادة .

- الخدعة الأولى / القفزات الوسواسية : وهي أستراتيجية قتالية لدى الخناس (لعنه الله) في أن يقفز بوسوسته من الأعمال العبادية إلى مواطن الضعف لديك عقلاً وقلباً ، فإن وجدك ممن يضبط أعماله العبادية متجاهلاً للوسوسة غير مكترث لتداخلاته المشككة ، ملازماً لقاعدة " فليمض أحدكم في الوهم " ، عارفاً بقاعدة عدم الإعتناء بالشكوك ، مستوعباً لأحكامه ، عندها قد يقفز إلي بحر آخر من الوساوس . فأنتبه !

- الخدعة الثانية / إثارة الشبهة العقدية بعد اليأس : يبدأ الشيطان الرجيم بطرح الأسئلة العقائدية والفلسفية التي تربك إيمانك وتوقعك في نار الشك إن شعر بيأس التأثير على الجانب العبادي ، هادفاً إيصالك لحالة من التوتر التي تؤرق سعيك في التقرب لله تعالى ، هذا إن لم يوصلك إلى بداية إرباك إيماني قلبي . وهذه تمت معالجته في القاعدة الثالثة .

- الخدعة الثالثة / أنت أيها المُقصّر : سيوهمك الشيطان الرجيم بالتقصير وأن عدم الإلتفات هو وجه من وجوه قلة الإيمان ، فيضرب على وتر "تأنيب الضمير" ، مع علمك - يقيناً - بأن تجاهلك هي فترة علاجية مؤقتة بعدها ستعود بروح أقوى وعبادة مطمئنة .

- الخدعة الرابعة / الإلحاح النفسي : عودة النفس لسيرتها الأولى والتي أعتادت عليها من تكرار الأعمال التي تشعر الوسواسي بالراحة ، فهذه الراحة المؤقتة والبسيطة هي راحة مذمومة ، كونها تأتي كإستجابة للوهم الشيطاني ، لذا تتجبر النفس وتنازعكم في أداء هذا العمل المكرر ، وهنا عليك بصد هذا الهوى النفسي وأحتماله خلال فترة العلاج .




والله أعلم ،،،